الحالم طفل لم يولد

جولان حاجي

نشر في مجلة رمان الثقافية ( Romman Magazine) | 10/6/2026

 

-3-

تتراقص مخيّلة نغم بين الماء والنار. إذا كانت الذاكرة زمناً لا بدء له ولا منتهى، يتماوج في اتجاهات شتّى، دون انبثاق من أيّ ينبوع، ودون جريان إلى أيّ مصبّ، فلا بد من قاع يحمل هذه الأمواج. لا بدّ من صخرة لا تخنقها أمواج الدخان ولا يهدّها حريق. « الأبد » هو هذا القاع المظلم، الساكن. « الأبد » هو تلك الكلمة الخاوية المريعة، تلك الصخرة العميقة التي يتلاطم فوقها الزمان، ويغطّيها بقمصان الغرقى وأخضر الطحالب ونار المرجان.

 الفن خروج عن ضيق الموت، ونغم، مرة تلو أخرى، تعود إلى العتبة، عالم « الما-بين » حيث لا نهاية للتنقيحات، حيث تأتي « ربما » لتزيح « المطلق » جانباً، وتتذبذب الأشياء بين التجسّد والامّحاء.

ربما لا يكشف لنا الفنّ شيئاً محدّداً من أنفسنا أو العالم. لعلّه يغيّر نظرتنا إلى كليهما، لننتقل إلى العيش بين عالمين لا يتناغمان إلا نادراً، على تلك العتبة حيث يكون كلُّ إنسان هو ذاته وسواه في آن واحد، حيث جسده بيته ومنفاه، حريته وسجنه، لذّته ومعذّبه، حياته ومماته. على بشرة هذا الجسد تبدأ ذواتنا وينتهي العالم، أو لعلّ الأدقّ والأجمل أنْ يُقال: تنتهي الذات ويبدأ العالم.

-4-

ما نفعُ مصباحك في الحريق حين تطقطق الرؤوس كحبّاتِ الكستناء؟ لا تقتربْ أكثر. ستؤذي روحك قبل أنْ تشتعلَ عيناك. السماء، في الداخل البعيد، أخفَضُ وأرحَبُ وأصفى. بكل عيونها، طوال الليل، تحدّق المجرّاتُ بنوم البراكين. الريح أفحمتِ التراب كجرحٍ حشاه أجدادك بُنّاً ورماداً. خرس الثرثارون. لن يرمّم الواهمون فمَ الجبل بالكلمات. ما من يدٍ عملاقة لتهشّم فناجين الأرض بحافّاتها المسنّنة. أنت هنا، في يدك فنجانك الذي ورثتَهُ مثلومَ الحافّة، ما رمّمتَهُ ولا رميتَه. البخار يحيط بوجهك إحاطةَ المستقبل بماضيك.

لا أحد حولك يسكن النار. لا أحد يشرب من المرآة. بهذا الفنجان الخطر سيبدأ فمُك صمتَ الصباح، فانتبهْ إلى ما تقول حين يتساوى الجرحُ واليقظة، البلسمُ والتحذير.

جولان حاجي

نُشر مقطعان من هذا النصّ باللغة الفرنسية، ترجمتْهما ناتالي بونتان، ضمن الكاتالوغ المرافق لمعرض الفنانة السورية نغم حديفه « في أرض الوهج والظلال » في غاليري نادين فتّوح بباريس (11 حزيران-11 تموز 2026).

-1-

تعود نغم حديفه، في معرضها « في أرض الوهج والظلال »، إلى رسم المرأة الحُبلى على عتبة الأمومة. الجنين مكوَّرٌ كالكوكب داخل جسد المستلقية وحدها،موشكة على المخاض، قبل الدمع والدم والصراخ. الولادة التقاء الألم واللذّة، الهلع والمعجزة. في لغة القرآن، السماءُ كُوِّرتْ والشمسُ والأرض. لسان العرب يربط الجنين والجنون بالخفاء، فكلاهما متواريان: الجنين النائم العائم في ظلمة أمّه، العقل كالمؤرّق في ظلمة القبر.

لم يجد اللاهوتيون القدامى شكلاً أكْملَ من الكرة حين فكّروا بالربّ في بطن أمّه مريم، فمثلما كوّر اللهُالكونَ محيطاً بعينه كلَّ شيء، تحيط الأمُّ بالمجهول الذي يكبر في أحشائها، فتطعمه دمها وتتحرّىحركاته بيدها ولا تراه. بطن الحبلى عينٌ مغمضة على المستقبل، والأمومة انشقاق قوقعة الذات عما يشبه اللؤلؤة، غير أنّ الغيب غائب عن عالم نغم، حيث النظرة مادةٌ محسوسة، تُحيي اللوحة وتحرّكها بعيداً عن الماورائيات. النظر فعلٌ كالنطق أو اللمس، قد يوقظ النائم وينبّه الساهي. النظرة هي الهواء بكل ما يحتويه، مثلما البحر هو الماء بكلّ ما فيه. ولكن لا تسعفنا في قراءة ما نراه كلُّ مجازات النظرة-شعاعاتٍ وخيوطاً وحبالاً وجسوراً…  

لو تخيّلنا النظرة حبلاً سرّياً بين اللوحة وعيوننا، فلربما استطعنا أنْ نرى في قلب هذا الحبل أزمنةًعديدة تدور فتتمازج الأحاسيس والذكريات والأحلام. ذاك دورانٌ في اتّجاهين، كالنسغ أو الدم: موج لا نهاية له، يعلو ويهبط، يبتعد ويقترب، داخل ضوءٍ تلقيه اليد التي ترسم، فيتراءى لنا ما لم نرَه، بين ظلمات أجسادنا وذاكرتنا وبين ظلمات العالم وأسراره. ربما يُولَد الفن من تلك الرغبة في قطع الحبل الذي قد يقيّد أيَّ عمل فني إلى هذه السلالة أو تلك، في مسبَق التفاسير ورائجها. ربما تلك القطيعة النازفة هي خلاصه.

الكلام القديم يغطّي الأشياء الجديدة، واللوحة صمتٌ مربِك يقاوم سلاطة العقل، لأنّها واقعٌ تتحقّق منه حواسُّنا، وفي الوقت نفسه وهمٌ يتحوّل من شكل إلى آخر داخل رؤوسنا وأجسادنا. ننظر إلى لوحات نغم فتقع نظراتنا الآن على نظراتها الطويلة التي سفحتها وحدها في مرسمها، فترتدُّ نظرتنا إلى داخلنا بعدما امتصّت ما رأتْ. لا يلبث هذا الدخولالمزدوج، أو هذا الخروج المزدوج، أنْ يحرّض نفوراً ما، ثم يبعدنا القربُ عمّا نعرفه من المعاني، لا لأن معرفة الذات، الناقصة على الدوام، تقتضي أيضاً جوانبَها البغيضة، بل لأن عزلتنا تنهار فوقنا. ينتظرنا العري لنواجه أنفسنا، لنتأمّل ما لا تستطيع عيوننا أنْ تراه. علينا استردادُ النظرة اليقظى التي لا تنوّمها الصورُ والكلمات، العاداتُ والمرايا.

-2-

نغم حديفه، في أعمالها خلال السنوات الأخيرة،تُجادل ماضيين- ماضيها الشخصي وماضي الفن.كلٌّ منهما يلقي ضوء خافتاً على ظلمة الآخر. قد يمتزجان إلى حدّ يشوّش أبصارنا وذاكرتنا، فيختفي الفارق بين ولوج المرآة والخروج منها، أو تختفي المرآة وتبقى الانعكاسات. لوحات نغم ارتحال خفيّ عبر الجسد، من عينها إلى يدها فالقماشة، ثم ارتحال مرئيّ من بنات يدها إلى عيوننا (إذا سُميّت اللوحةُ « بنتَ اليد »، أسوةً بالكلمة « بنت الشفة »). عيوننا تلمس الجسد، الماثل أمامنا بنقصانه المقصود في أعمال نغم، فنتحقّق من غيابه، لأن الجسد يتجلّى في المرآة، ويبقى، في الوقت نفسه، عصياً على اللمس. لعلّنا، على منوال البحتري في سينيته عن إيوان كسرى، نودّ لو نتقرّى باللمس قوةَ الزمن التي تخسف كلَّ شيء، أو قد تستيقظ في أيدينا ذكرى رغبة مبهمة تتوق إلى التحطيم وإتلاف المحروسات، أياً كان المحروس، محتجباً أو مباحاً للعين. سينهض احتجاجنا على التقديس الذي يرسّخ تلك المسافة الخانقة، مسافة العار والغموض، مسافة ممنوع اللمس وممنوع التصوير، في المتاحف والثكنات والبنوك والمعابد…